ابن باجة
133
رسائل فلسفية لأبي بكر بن باجة
فإنه ليس تنسب لنا هذه . والحيوان انما يقال إنه متحرك بذاته ومن ذاته في المكان خاصة ، وذلك ان فيه المحرك وهي النفس ، والمتحرك وهو البدن ، وقد تلخص ذلك في الثامنة من السماع . فالمنفعل هو البدن ، والفاعل القريب هو النفس ، وهو النزوع . ولا يكون نزوع الا بوهم ، وقد يكون الوهم ولا يكون نزوع . والوهم هو المحرك ، والمتحرك هو الجسد . فليت شعري النزوع أهو يوجد في الوهم حتى يكون له كالآلة ، أو هو في المتحرك حتى لا تكون هيولى لذلك الوهم الا بذلك النزوع ، فإنه ليس كل هيولى لكل متحرك ، بل لكل محرك بالطبع متحرك بالطبع ، وقد ذكر ذلك أرسطو في الثامنة من السماع . فاما ان التوهم ليس موضوعا للنزوع ، فذلك كالبيّن بنفسه ، فالنزوع اذن في شيء آخر ، ولان النزوع في محسوسه ، « 113 » فهو ضرورة حال في جسم ، إذ لا يحس الا جسم . فهل هو صورة لذلك الجسم كالزجاج ، فإنه إذا كان زجاجا بالقوة ، وذلك عندما يكون حجرا ، فليس يمكن ان يتخذ منه آنية . فاما إذا صار زجاجا بالفعل أمكن ذلك كالرطوبة في السمع ، فهو حال في ذلك الجسم ، ولذلك الجسم وجود ما آخر ، فلنفحص عن ذلك . والمقدمات الخاصة بهذا النظر الذي تتخذ منه الدلائل عليه قليلة ، ولكن ليس يجب علينا لذلك « 114 » ترك الفحص . وفي أمثال هذه يقول أرسطو : انا وان علمنا انا لا نبلغ من العلم بهذا الامر كنهه ، فلنبلغ منه قدر الكاد ، وهذا انما هو في التصور لا في التصديق . فنقول : انه قد تبين في غير موضع ان القلب أو ما يقوم مقامه هو مبدأ الحيوان ، وانه ينبوع للحار الغريزي الموجود في البدن ، وان بالحار الغريزي تكون جميع الحركات الموجودة في البدن ، واعني بذلك الاغتذاء وضروب النزوع والتوهم والتفكر ، فان الهضم وان كان في المعدة فهي كالكتابة ، وان كان القلم هو الذي رسم الأحرف فان الراسم هو الانسان . وبالجملة فالمحرك الأول هو الذي ينسب اليه الفعل كما تبين ذلك في ثامنة السماع ، وقلناه نحن في « رسالة الوداع » . « 115 » فان المنصور هو الذي قتل عبد اللّه بن
--> ( 113 ) كذا أثبت الناشر ( 114 ) كتب الناشر : « بذلك » ونحن نفضل ما وضعناه في الصلب . ( 115 ) هذا - كما ترى - يدل على أن هذه الرسالة لاحقة على « رسالة الوداع » . وقد اكد الفهرس الملحق بتقديم ابن الإمام ، كما وقفنا على ذلك من قبل ، ان ابن باجة بعث بهذه الرسالة إلى ابن الإمام بعد « رسالة الوداع » وقبل « رسالة الاتصال » .